Site icon Foreign, Commonwealth & Development Office Blogs

عزيزي لبنان: رسالة مفتوحة

غدا ساسلّم الرئيس سليمان رسالة من رئيس الوزراء كاميرون يهنئه فيها بالعيد السبعين للبنان. وللمناسبة ذاتها طلب مني القيّمون على مجلة راغ ماغ الرائعون ان أكتب رسالة مفتوحة. انها بالفعل لمهمة صعبة ودقيقة وستزعج البعض او تغضبهم. لكنني قبلت خوض غمار هذه التجربة لأنني اعتبر انها مناسبة مهمة للتفكير وآمل أن يحذو حذوي آخرون ويكتبوا رسائلهم الخاصة.

عزيزي لبنان،

أكتب اليك لأتمنى لك عيدا سعيدا في ذكرى ميلادك السبعين.

أنا أعرف ان عمرك في الواقع آلاف السنين وأنك كنت تجيد التجارة والكتابة قبل أجدادي بكثير. لكن لحظة ميلادك تلك في تشرين الثاني من العام 1943 كانت مميزة مختلفة – وقد خطوت خطواتك الاولى كأمة جديدة مبنيّة على مبادئ موحّدة وليس على خطوط تقسيمية. وأنا فخور بأن سلفي ادوارد سبيرز كان حاضرا في تلك اللحظة ليدعم ذلك وقد آمنّا بقوة حينها كما نؤمن اليوم تماما بفكرة لبنان.
لكن يا لبنان أما زلت انت تؤمن بتلك الفكرة؟ هذا سؤال لا يمكن لغيرك أن يجيب عليه. من دون شك لم تكن العقود السبعة سهلة ومرت بسنوات من المراهقة العسيرة وبالكثير من أزمات منتصف العمر ان لم نقل أكثر من ذلك. وأنت الآن تمر أيضا بسنة عسيرة ويعتريك القلق من ان تشتّتك الخلافات الاقليمية. وما حصل هذا الاسبوع ليس الا تذكيرا بأن الكثيرين يرغبون في حصول هذا الامر.

آمل أن تسامح أحد معجبيك لقيامه باسترجاع بعض الامور.

أنت أفضل بكثير مما تعترف به. أنظر الى السنوات السبعين الماضية. أدباؤك وموسيقيوك ومفكروك ورجال الاعمال غزوا العالم مرات ومرات. جبالك ووديانك وشطآنك تثير غيرتنا جميعا. روحك استثنائية لا تهدأ ولا تطفأ. عرفت كيف تنفض عنك غبار حرب أهلية مدمّرة حتى يخال للمرء وكأن شيئا لم يكن. أنت أفضل مركز للتواصل في عالم تديره الشبكات. أنت ايضا أفضل بلد مضيف ليس للسفراء فحسب بل لمئات الآلاف من اللاجئين السوريين الذين نزحوا خلال العامين الماضيين. وما أجمل من صوت الآذان يمتزج في سماك بصوت قرع أجراس الكنائس فيصلّي كل شخص حسب ديانته. كل يوم التقي اشخاصا لبنانيين استثنائيين يقومون بامور رائعة رغم كل التحديات والصعاب.
لنقلها صراحة إذا، أنا معجب بحق.

لكنني محبط أيضا وهذه حال الكثيرين.

تبدو سياساتكم وكأنها ديناميكية ولكنها في الصميم مشتتة ومشلولة. تتحدثون عن الوحدة ولكن غالبا ما نسمع البعض يقول “لبنان بلد رائع.. لولا اللبنانيين” أو “لن يتغيّر شيء – هيدا لبنان” أو “هم (أدخلوا هنا اي مجموعة تريدون) مختلفون جدا”. لديكم قدرة خارقة على تحمّل المشقّات مثل انقطاع الكهرباء لكن نادرا ما تواجهون أسبابها الأساسية. تستثمرون أكثر من أي بلد آخر في تعليم شبابكم لكنهم يشعرون بأن لا صوت لهم في تغيير بلادهم نحو الأفضل. لطالما كنتم منارة لحقوق المرأة لكنكم تنتخبون حفنة صغيرة منهن في البرلمان. كنتم أول بلد في الشرق الاوسط يقف في وجه الدكتاتورية والطغيان في القرن الحادي والعشرين لكن صوتكم المطالب بحقوقكم وبحقوق الآخرين يبدو أنه سكت وفي الكثير من الأحوال قد أسكِت.

إليكم إذن بنصيحة وإن أتت من دون أن تُطلب.

أولا والأهم ابدأوا بتجاهل النصائح من الآخرين بمن فيهم انا: هذا بلدكم.

ثانيا: احتفلوا بالنجاح الذي يزخر به بلدكم – نعم الرياضيون الموهوبون والملهمون، المفكرون، المستكشفون والناشطون ولكن ايضا اولئك الذين التقيهم في المدرسة او في الطريق في المحال التجارية او في المستشفيات “هذا بلدنا ونحن نقاسمه ونمضي بحياتنا كأفضل رد على العنف والانقسام”.

ثالثا، لم لا تستغلوا مناسبة الذكرى السبعين للاستقلال لتذكر المعنى الحقيقي للاستقلال وكيف يجب ان يكون الاستقلال ولم لا تضعوا المصالح الوطنية ومصالح لبنان فوق مصالح الاسياد الاجانب؟ ولم لا تطلبوا من قادتكم ان يقوموا بذلك ايضا؟
رابعا، ربما آن الأوان لتجددوا عهد الزواج ولتفكروا بالامور التي تعجبكم لدى الآخر بدل أن تفكروا بالامور التي تغضبكم من بعض. أخشى ما أخشاه أنكم محكومون بالعيش سوية بالفقر والثراء بالسراء والضراء.
أخيرا، لا تنسوا قوتكم الجماعية. قد يكون لديكم جيران صعاب وقد تميلون الى التسليم بقدركم لكن موقعكم وتنوعكم يضعانكم في قلب القارات والثقافات. ان تاريخكم يمنحكم صلابة وروحا حرة قد يتحرق غيركم في المنطقة للحصول عليها وهم يتحرقون فعلا.
الكثيرون منا يثبّتون جذوركم ويشدّون على ايديكم. لقد ضاعفت بريطانيا تجارتها وزادت عشر مرات دعمها للجيش وجهوده الرامية الى الاستقرار ونحن نبذل أقسى جهد ممكن في مجال الاغاثة الانسانية لمساعدتكم على الاستجابة لازمة تدفق اللاجئين. ومجلس الأمن تناسى معاركه هنا واجمع مرارا على اعطاء الاولوية لاستقراركم وتأمين قوات حفظ السلام والمساعدة والدعم السياسي. بالنسبة للكثيرين منا انتم أهم وأغلى بكثير من ان نتخلى عنكم. ان كان التعايش مستحيلا في لبنان فكيف لنا ان نؤمن بانه سينجح في اي مكان آخر؟

أنا ما زلت أراهن على لبنان العام 2020 وأشجعكم بكل تواضع على ان تراهنوا عليه أيضا.

انتم الآن في مرحلة حاسمة ومن المبكر جدا لبلد أن يتقاعد في عمر السبعين. لا يمكنكم أن تجمّلوا التصدّعات. أن تبلغوا سن ال75 رهن بقدرتكم على ايجاد سبيل للاتحاد وللتركيز على ما يجمعكم بدل التركيز على ما يفرقككم. هذه مهمة لا يمكن أن تسلمّوها للآخرين. القرار قراركم إما أن تتقاتلوا على لبنان أو تقاتلوا من اجله.

عيد سعيد، استقلال سعيد، لبنان موحّد سعيد. مبروك ولكم مني كل التشجيع والتضامن.

مع تحياتي القلبية،
طوم

Exit mobile version